أبي حيان التوحيدي

344

المقابسات

ونحلهم وعاداتهم ومصارمتهم وتعاديهم وتظالمهم مع الاستطاعة الحاضرة ، والتكليف العام ، ومعرفة الأصلح والأفسد والأحسن والأقبح ، يفنون ويتبددون ويهلكون عن حال باقية بها يحسن المحسن ويثاب الخير فيعرف المتعنى ؟ هذا ما لا يجوز بجوازه عقل وإن قسر ، ولا يلين له قياد وإن استميل ، ولا يدنس به وهم وإن استكره ، وإنما يتحرك عند هذا الظن من ضاق مجمّه ، وقل علمه ، ونبا سماعه وفهمه ، وفسد حسه ومزاجه ، وجعل نفسه مصبا لكل ريح ، ومغيضا لكل سخف ، ومجازا لكل حافر فأما الناظر في أثناء الأمور ، الواعي أحاديث الزمان ، الفاحص عن السرائر ، الطالب لظاهر الأحوال وباطنها ، فإنه يربأ بنفسه عن هجنة هذا الرأي ، وانحلال هذا العقد ، ويشتمل على ما نطقت به الكتب القديمة ، وتضمنت الاسفار الصحيحة ، وأتت به الشرائع الصادقة ، وبنيت عليه الأذهان الحديدة ، وشهدت له الفطرة السليمة ، ودعت إليه العقول الراجحة ؟ وهذا وإن تمادت في الأحداث الأغمار ، وغلب على من لا خبرة له بما يأتي به الليل والنهار ، فأما من له رغبة في حياطة دينه ، وهمة في معرفة الغامض [ و ] الواضح من نفسه وعالمه ، وبحث عن المراشد والمصالح في الظاهر والباطن ، ونظر في السياسة الإلهية والانسية وخبر بالمورد والمصدر ليصير ذلك المتولد عليه ، فقد حماه اللّه غائلة هذا الرأي ، وكفاه مؤنة هذا الخطر ، وجعله في الأعلين في حظيرة القدس وحضرة الأنس ، حيث لا عبء ولا ثقل ، ولا فراغ ولا شغل ، ولا هجر ولا وصل ، ولا ذنب ولا عذر